موقع الشيخ
حفظه الله
سالم بن سعد الطويل

منهج صناعة المحاور مخالف لمنهج ودعوة الأنبياء والعلماء الأكابر

6 شعبان 1445 |

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :

ففي السنوات الأخيرة انتشر منهج صناعة المحاور بقيادة بعض الدكاترة والدعاة ، منهم المشبوه ومنهم المطرود ومنهم الهارب ومنهم المتلون استهدفوا طبقة الشباب والشابات وزعموا أنهم يريدون أن يصنعوا منهم دعاة يذبون عن العقيدة ويناظرون الملحدين الذين ينكرون وجود الله تعالى. في البداية يظن الظان أن هذه دعوة طيبة فيها لترسيخ الإيمان ودحر وسوسة الشيطان ورد الناس إلى الإسلام . ويذكرون في تعريف دعوتهم وبيان أهدافها أنها : تعزيز اليقين ، وبناء العقلية الاستدلالية ، ومنهجية الرد على الشبهات ، وأدوات النقد والرد ، والرد على الشبهات المنتشرة فكرياً ، هذا ملخص مما يقرّرونه . لكن في الواقع أن أهل البدع يغيرون جلودهم ليحافظوا على قلوبهم الخربة ومناهجهم الباطلة ، وهم أخطر في كثير من الأحيان من أهل البدع الظاهرين في بدعتهم لأنهم (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) ولكنهم والحمد لله (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (9) سورة البقرة لكنهم والحمد لله (وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) والله حافظ دينه ، ومظهر كلمته فليطمئن كل مسلم بأن أمر هؤلاء وحقيقتهم سيظهر ولو بعد حين . والواجب على دعاة التوحيد والسنة أن يتصدوا لهؤلاء ويظهروا حقيقتهم الباطلة وذلك ببيان ما هم عليه مما يخالف منهج الأنبياء ودعوتهم . لقد أرسل الله تعالى الرسل جميعاً لدعوة الجن والإنس لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له . كما في قوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ) (36) (سورة النحل) ، وأجمع الرسل على دعوة أقوامهم إلى أربع مسائل وهي : 1/ عبادة الله تعالى وحده لا شريك له والكفر بكل ما يعبد من دونه . 2/ تقوى الله تعالى التي هي وصية الله للأولين والآخرين 3/ طاعة الرسول واتباعه 4/ الإستغفار من كل ذنب وحسبنا قول الله تعالى في مطلع سورة نوح 1/ (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) 2/ (وَاتَّقُوهُ) 3/ (وَأَطِيعُونِ ) 4/ (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) . بهذه المسائل الأربع الكبيرة التي يندرج تحتها كل أحكام الدَّين أرسلوا وجادلوا وجاهدوا وصبروا حتى أظهرهم الله على أعدائهم وأورثهم الأرض ومكنهم منها ، وأفضلهم وخيرهم وأكملهم وأكرمهم على الله تعالى رسولنا محمد صلی الله عليه وسلم ، كانت هذه دعوته . ومن قرأ القرآن مع قليل من التدبر سيجد هذا واضحاً جلياً . لم تكن دعوة الرسل عليهم السلام مقتصرة على إثبات وجود الله ، ولا أفنوا أوقاتهم وأعمارهم في إثبات وجود الله تعالى . ولا أعد النبي صلى الله عليه وسلم دعاة من أصحابه للمحاورة منكري وجود الله تعالى . واقرأ إن شئت قصص الأنبياء في القرآن الكريم من نوح عليه السلام أول الرسل إلى خاتمهم وخيرهم رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لن تجد رسولاً يدعو قومه إلى إثبات وجود الله تعالى . بل كانت دعوتهم جميعاً ما ذكره الله عنهم بقوله (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) (25) (سورة الانبياء) ، وهذا العهد الذي أخذه الله تعالى على بني آدم ، قال تعالى : (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ) (٦٢) (سورة يس) ومن استجاب للرسل علموه كيف يعبد الله تعالى بالعبادات المشروعة وماذا يجب عليه اعتقاده وما يحل له وما يحرم عليه ، وعلموه الآداب والأخلاق . وهذه الدعوة - أعني الدعوة إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له - لا يدعو لها ويعتني بها إلا دعاة التوحيد والسنة وكل من سواهم بعيد عن هذه الدعوة بمسافات متفاوتة بين مقل ومكثر . فمنهم من يفسر كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) بالربوبية أي لا خالق إلا الله ولا رزاق إلا الله ولا يحي ولا يميت إلا الله . ليجمع أكبر قدر من الناس ويعدّهم موحدين ولو أشركوا مع الله تعالى آلهةً أخرى ومنهم من يفسر كلمة التوحيد بلا حاكمية إلا لله تعالى واتخذ من هذا التفسير سلماً لتكفير الحكام ومنافستهم على الكراسي . ومنهم من فسرها بلا موجود إلا الله ومنهم من جمع كل التفاسير الباطلة والقاصرة لـ (لا إله إلا الله) سوى تفسيرها الصحيح الذي هو لا معبود بحق إلا الله ، لا معبود يستحق العبادة إلا الله تعالى ، فلا يستحق العبادة كائن من كان ولو كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو ولياً صالحاً أو أي إله من الجن أو الإنس أو الحجر أو الشجر أو الشمس أو القمر أو أي عظيم أو حقير . قال تعالى : (ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (30) (سورة لقمان) . إن الإقرار بوجود الله تعالى يشترك فيه كل أهل البدع والملل والنحل واليهود والنصارى والهندوس والبوذيون وشياطين الإنس والجن بل حتى إبليس يقر بوجود الله تعالى بل ويقرون بأن الله خالقهم ليس موجوداً فحسب ، وما ينكر وجود الله تعالى إلا مكابر أو مجنون أو مريض إذن ما مراد الذين يشغلون أنفسهم وغيرهم بالمحاضرات والدورات والمؤسسات وتسويد الصفحات وتسجيل آلاف الساعات في صناعة المحاورين ؟ مهما كان قصدهم فهذا لا يعنينا فالمقاصد تختلف وقد يكون لبعضهم نيات حسنة لكن الذي يعنينا بيان أن هذه المنهجية والدعوة مخالفة لمنهج ودعوة الأنبياء . والله تعالى قال : (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ۖ)(32) (سورة يونس) ، فوجب علينا أن نحذر منها ونحذر غيرنا . وخلاصة القول : أن من أقر بوجود الله تعالى يجب عليه أن يؤمن بربوبيته ، ومن آمن بربوبيته وجب عليه أن يؤمن بألوهيته ومن آمن بألوهيته وجب عليه أن يعبده تعالى ولا يشرك به شيئاً ووجب عليه أن يوالي الموحدين ويحبهم ، ويعادي المشركين ويبعضهم ووجب عليه أن يعبد الله تعالى على سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ويتبع سبيل المؤمنين من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان . هذا هو الإسلام وليس مجرد إقرار بوجود الله تعالى . وللحديث بقية إن شاء الله تعالى إذا كان في العمر بقية .

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

المقالات