الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد : فهذه سلسلة مقالات كتبتها نصيحة لعوام الإباضية الذين قد غرر بهم كبراؤهم فشذوا بهم عن أمة محمد-صلى الله عليه وسلم- فأقول وبالله أستعين وعليه أتوكل ، وإليه أنيب : لقد غرر كبراء الإباضية بأتباعهم فزعموا زوراً وبهتاناً أن المذهب الإباضي هو أقدم المذاهب ، وبناءً على هذه الفرية زعموا أنهم أعدل المذاهب وأولاها بالإتباع وهذا باطل من ثلاثة وجوه : الأول : أن مذهب الأباضية مذهب عقدي وليس مذهباً فقهياً فحسب، وانحرافاتهم في العقيدة كثيرة وهي أشد بكثير من اختياراتهم الفقهية، وعقائدهم محدثة لم تعرف في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا في عهد الصحابة ولا التابعين . الثاني : أن نسبتهم إلى جابر بن زيد رحمه الله لا تثبت، إذ لا يملكون أي سند إليه، بل الذي ذكره علماء التراجم أن جابر بن زيد رحمه الله نفسه قد تبرأ من الإباضية. فقد روى ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى في "الجرح والتعديل" (2 / 495) بسند حسن، قال: (أخبرنا أحمد بن سنان قال أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي عن أبي هلال عن داود عن عزرة قال: دخلت على جابر بن زيد، فقلت: إن هؤلاء القوم ينتحلونك - يعني الإباضية؟ قال: أبرأ إلى الله عز وجل من ذلك) انتهى. ورواه أيضاً ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (7 / 181)

الثالث : أنهم في الحقيقة ينتسبون إلى عبدالله بن إباض الخارجي المتوفى سنة (٨٩)وقيل (٨٦) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في لسان الميزان ( 4 / 418 ) : (عبد الله بن إباض التميمي الإباضي، رأس الإباضية من الخوارج) انتهى كلامه وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية (7/238) : (وقد كان ابن إباض معاصراً لابن الزبير مع الخوارج) انتهى . وحتى ابن إباض وإن كان خارجياً لكن لم يقل بعقائد الإباضية المتأخرين ولا سمع بها كالقول بنفي علو الله تعالى على خلقه بذاته ، والقول بخلق القرآن وتعطيل الله تعالى عن صفات الكمال وغير ذلك من العقائد الباطلة الزائغة المحدثة . وبهذا يتبين لك بطلان ما زعموه بأن مذهبهم أقدم المذاهب . أيها الإباضي المغرر بك لو قارنت مذهب الإباضية بمذهب المعتزلة المبتدع المحدث لوجدت التشابه بل التطابق في ما بين المذهبين واضحاً جلياً . ولذلك على الرغم من هجوم الإباضية المستمر والشديد على أهل السنة إلا أنهم لا يطعنون ولا يتعرضون المعتزلة، لماذا ؟ لأنهم من مشكاة واحدة بعضهم أولياء بعض . وسأذكر لك أصول المعتزلة وأنت قارن بين المذهبين : مذهب الإباضية ومذهب المعتزلة ثم تجرّد من الهوى والتعصب واحكم بنفسك

الأصل الأول: التوحيد ومعناه عندهم هو نفي صفات الله تعالى كالسمع والبصر والوجه واليدين والإستواء وعلو الله تعالى بذاته على جميع خلقه والنزول والمجيء والإتيان وغيرها من الصفات. وبهذا الإعتقاد أنكروا أكثر آيات القرآن الكريم ، لأن أكثر ما فيه هو الحديث عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وبما أمر ، وعن ماذا نهى . وكذلك ينفون رؤية المؤمنين لربهم في الجنة. وزعموا أن الله تعالى لا يُرى بالأعين
وقالوا لو كان يُرى لكان مثل المخلوقين ، مع أن المخلوقين منهم ما لا يرى أيضاً . الأصل الثاني : العدل ومعناه عندهم أن العباد يخلقون أفعالهم، وزعموا أن من الظلم أن الله تعالى يخلق الكافر ويخلق أفعاله الكفرية ثم يعذبه وزعموا أن هذا من الظلم وزعموا أن من العدل أن يُقال : العبد يخلق فعل نفسه. وبهذا الإعتقاد أشركوا بالربوبية، وأثبتوا خالقين غير الله تعالى بعدد العباد ، وهذا باطل

الأصل الثالث: إنفاذ الوعيد، فزعموا أن الله تعالى يجب عليه أن يعذب كل من عصاه ولا يغفر لأحد مات على كبيرة من الكبائر ، وكل من دخل النار فلن يخرج منها أبداً ولو كان مسلماً مؤمناً محسناً باراً واصلاً فبمجرد أنه يترك أمراً واجباً أو يرتكب معصية واحدة يموت عليها فهو والكافر سواء مخلدون في نار جهنم. الأصل الرابع: المنزلة بين المنزلتين، ومعناه عندهم أن الفاسق ليس مسلماً ولا كافراً ، فيعامل في الدنيا معاملة المسلمين ويخلد في الآخرة مع الكافرين. الأصل الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعناه عندهم الخروج على الولاة، إما بالسيف والسنان أو بالتحريض على الولاة بالكلام باللسان. أيها الإباضي المغرر بك هذه أصول المعتزلة ؛ هي أصول الإباضية بعينها فبين الفرقتين تشابه بل تطابق وتماثل فما الإباضية إلا فرقة من فرق المعتزلة انفردت عنها بالإسم واتفقت معها بالمضمون والإعتقاد. ولذلك يمكن لكل إباضي مغرر به أن يسأل كبراءهم عن الفروق الجوهرية بين المعتزلة والإباضية، فسيجده عاجزاً تماماً عن الجواب المقنع الشافي الكافي . فإذا تبين لك ذلك فاعلم أن طالب العلم لا يحتاج أن يستقرأ كتب الإباضية ليتعرف على عقائدهم بل يكفيه أن يعرف أصول المعتزلة لأنهم في العقيدة سواء . تابعني في مقال قادم إن شاء الله تعالى وستستفيد بإذن الله تعالى. والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين