الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،

فمن قرأ كتب أهل العلم يجد أن كثيراً من العلماء من الأئمة والمحدثين والفقهاء والمفسرين ممن عرفوا بالديانة والورع يتكلمون في المجروحين بكلمات فيها شدة وغلظة فيقولون مثلاً فلان كذاب وفلان دجال وفلان يضع الحديث وفلان منكر الحديث وفلان يروي المناكير وفلان رافضي خبيث وفلان هالك وفلان مبتدع وفلان ضال وفلان كثير الخطأ وفلان اختلط وفلان لا تجوز الرواية عنه وفلان مدلس وفلان يغلط كثيراً وفلان فيه غفلة، وفلان يلقن وفلان يقلب الأحاديث وفلان سيء الحفظ وفلان حاطب ليل، وفلان لين وفلان مجهول وفلان ترك الناس حديثه، وغير ذلك مما يصعب حصره، ولم يعتبر أحد ذلك من الطعن المحرم أو الغيبة أو التشهير، أو التشفي أو الانتقام؛ لأن المقصود من ذلك حفظ الدين وحمايته و"إنما الأعمال بالنيات"، ولولا هذا التحذير لفسد الدين واختلط الحق بالباطل، والصحيح بالسقيم.

ولم يمنع العلماء الكلام في المجروحين كون بعضهم من الموتى أو الأحياء أو المرضى أو الأصحاء أو المشهورين أو له أتباع، أو له آثار مشهودة أو جهود مشكورة، بل كان بعضهم يقول إن والدي ضعيف فلا ترووا عنه الحديث !! ولم يقل هذا من العقوق، فتأمل هذا جيداً.

ومن هذا المبدأ رأيت من الواجب عليّ المساهمة في حفظ الدين ودرء العبث بالتوحيد والدفاع عن أهل العلم والفضل مما ينسب إليهم من البدع والمحدثات، وبالله التوفيق.

أخي القارئ الكريم، لقد ابتدع بعض المعاصرين قسماً رابعاً للتوحيد وأطلقوا عليه "توحيد الحاكمية" أو "توحيد الحكم"، وخالفوا في ذلك كل العلماء الذين تكلموا في التوحيد وأقسامه، وأرادوا من بدعتهم هذه الحكم على الحكام لا الحكم بما أنزل الله، فلا يذكرون أحداً أخل بتوحيد "الحاكمية" إلا الحكام، حتى أطلقوا على من لم يحكم بما أنزل الله من الحكام خاصة دون غيرهم بأنهم مشركون "شرك القصور" وهم أولى بالجهاد والقتال من أصحاب "شرك القبور"، أي عباد الأولياء !!!

لذلك تصدى علماء السنة لهذه البدعة وأهلها، وكان في مقدمتهم كالعادة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى، فقال في كلام مسجل بصوته ومنتشر جداً ما نصه:

السائل :

هناك من الناس من يقول : أنتم تضيعون أوقاتكم في بيان الشرك القديم وهو التوسل بالقبور والاستغاثة فيهم ، وتنسون الشرك الحديث شرك الحاكمية أو شرك الحكام ، والأولى عنده الاشتغال بتكفير الحكام ، والعمل على الخروج على عليهم أولى من العمل على الدعوة في هذه الأيام ، فهل هذا صحيح ؟

الجواب :

هذا غلط ، هؤلاء مساكين ، الأولى تصحيح عقائد الناس وتبصيرهم ، ويبين لهم حقيقة الشرك وعقيدة الكفر من جهة الوثنية ومن جهة الشيوعية ومن جهة الإباحية ، أما منازعة السلاطين فلا ننازع ، هذا من شأن الخوارج ومن شأن المعتزلة ، هذا شأنهم ، هؤلاء فيهم شبه بأولئك الخوارج ، ما لهم هَمٌ إلا الخروج على السلاطين . الواجب تصحيح أحوال الناس من الحاكم وغير الحاكم ، تصحيح أحوالهم ودعوتهم إلى الله ونصيحتهم ونصيحة العامة وبيان عقيدة الإسلام لهم . الخروج وش ينفع ؟! ما فيه إلا القتل والفساد ، يخرجون وهم ضعفاء ، يَقتلون ويُقتلون ، هذا ما هو بالطريق السوي ، الطريق السوي تبصير الناس وتوجيه الناس إلى الخير ، ما هو بالخروج على الحكام بغير بصيرة فيقتل من هب ودب . نصيحتي لهم أن يتفقهوا بالدين ، ويفقهوا الناس ، وأن لا يتشاغلوا بالخروج على السلاطين ؛ لأن هذا يميت الدعوة ويقضي عليهم هم ، والسلاطين ما هم مخلينهم يقومون عليهم ، لقام أحد قتلوهم وأبادوهم وقضوا على الدعوة ، الواجب أنهم يجتهدون بالدعوة والتوجيه والإرشاد ، وتفقيه الناس بدينهم ، وهم يتفقهون أولا يتفقهون حتى يكونوا على بينة وبصيرة ، ما يكون همهم سب السلطان وسب الحكام والاشتغال بتدبير المؤامرات ، هذا يفضي إلى فساد كبير وخطر عظيم ، وقضاء على الدعوة والشباب الحاملين لها . الواجب أن يعنوا بالتفقه بالدين والدعوة إلى الله والإرشاد إليه وتفقيه العامة ومناصحة ولاة الأمور بالمكاتبات ؛ لعل الله يهديهم ويهدي بهم ، هذا هو الطريق السوي ، ووفق الله الجميع ) انتهى كلامه بحروفه .

وقال رحمه الله ومن معه في اللجنة الدائمة في جواب عن الحاكمية : (… وجعل الحاكمية نوعاً مستقلاً من أنواع التوحيد عمل محدث لم يقل به أحد من الأئمة فيما نعلم ) فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الثانية (377-376/1)، وقال شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى فيمن جعل للتوحيد قسماً رابعاً اطلق عليه توحيد "الحاكمية" : ( إنه ضال وجاهل… .. ثم قال: هذا قول محدث منكر… ثم قال : فهذا قول محدث مبتدع منكر ينكر على صاحبه… ثم قال : هذه بدعة وضلالة ) انتهى من لقاء الباب المفتوح رقم (١٥٠).

وقال شيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى: (زاد بعضهم توحيد الحاكمية...ولكن أصل هذه الزيادة والله أعلم أن قوماً ابتدعوها من أجل مناقشة الحكام والولاة) شرح القواعد المثلى (٢٦).

وقال أيضًا - رحمه الله تعالى : ( يبدو - والله أعلم - أن الذي وضعه وضعه من أجل القيام على الحكام فيقول : أنتم أيها الحكام ما وحدتم الله ! بل أنتم مشركون ! حتى يُهَيِّئ الأمر للخروج عليهم - والله أعلم بالنيات - وهذا واضح من تصرفات بعضهم ؛ وإلا فـ"الحاكمية" لا حاجة لها لأن الحاكمية لا تخرج عن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ) انتهى من شرح عقيدة أهل السنة والجماعة (ص٢٢).

وقال الشيخ حماد الأنصاري محدث المدينة رحمه الله تعالى: (وكلمة الحاكمية بدعة، أصلها من المستشرقين تلقفها منهم بعض الناس) انتهى من كتاب المجموع في ترجمة الشيخ حماد الأنصاري.

وقال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في كلام مسجل له بصوته لما سئل السؤال التالي: تقسيم التوحيد إلى أقسام أربعة : الربوبية والألوهية والأسماء والصفات والرابع الحاكمية ؟ فأجاب : ما في أربعة ، في أقسام ثلاثة : توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات ، الحاكمية يا أخي داخل في الألوهية ، هذا عند الإخوانيين هم الذين يقولون الحاكمية ، هذا داخل في توحيد الألوهية ؛ لأن تحكيم الشرع عبادة لله عز وجل ، لا حاجة أنك تفرده ) انتهى.

وقال الشيخ الفوزان أيضًا : ( أما أن يأتي جاهل في القرن العشرين ويقول توحيد الحاكمية ، فالناس قصرت في الصلاة فلماذا لا نجعل توحيد للصلاة والصيام؟!!) انتهى من تسجيل صوتي بعنوان توحيد الحاكمية، وذكر نحوه في شرحه لكشف الشبهات والطحاوية وكتاب التوحيد.

أخي القارئ الكريم بعد هذه النقولات تلاحظ أن العلماء أنكروا إنكاراً شديداً اعتبار توحيد الحاكمية أو توحيد الحكم قسماً رابعاً للتوحيد ولم يقل منهم أحد أن هذا اصطلاح ولا بأس به، فاحذر أن يخدعك أحد بهذه الحجة العليلة بل الميتة، ولا أظن أن منصفاً عاقلاً يصدق ما زعمه الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق بأن الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى أقره على تقسيمه المحدث للتوحيد ، وكأنه تراجع في آخر حياته عن قوله فوافقه على بدعته، وقدم لكتابه "الصراط" !!

أخي القارئ الكريم، أما كتاب " الصراط" فله قصة طويلة سأختصرها ما استطعت في مقال قادم إن شاء الله تعالى.

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.