الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد : فإننا في السابق كنا نبذل جهداً ووقتاً لنقنع بعض إخواننا وأقربائنا بأن الدكتور محمد عبدالغفار الشريف صوفي على الطريقة الشاذلية مع أنه يعترف بنفسه على أنه صوفي بل ويفتخر بذلك، لكن اليوم وفَّر علينا الدكتور عبدالغفار الجهد والوقت وذلك بتغريداته التي يدعو بها صراحة إلى شد الرحال إلى قبور الصالحين والدعاء عندها وقراءة (قل هو الله أحد) مائة مرة. فلقد ذكر روايات باطلة لا تصح سنداً ولا متناً يؤيد بها عقيدته الصوفية ويدعو إليها المسلمين وإلى التعلق بالقبور وهذا بلا شك من وسائل الشرك الأكبر كما يشهد بذلك الواقع، فالذين يشدون الرحال إلى القبور لا يكتفون بدعاء الله تعالى عند القبور بل يدعون الأموات من دون الله تعالى ويرجون منهم الشفاء وقضاء الحاجات. وإليكم نص تغريدات الدكتور عبدالغفار:

التغريدة الأولى : يقول الإمام الشافعي رحمه الله: إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم ـ يعني زائراً - فاذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقضى. -تاريخ بغداد ج 1 ص 123

التغريدة الثانية : حَدَّثَنَا أَبُو الفضل عبيد الله بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مُحَمَّد الزهري، قَالَ: سمعت أَبِي يقول: قبر معروف الكرخي مجرب لقضاء الحوائج، ويقال: إنه من قرأ عنده مائة مرة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته. 📚تاريخ_بغداد ج 1 ص 123

التغريدة الثالثة : (من الأماكن التي يرجى فيها استجابة الدعاء الأماكن المباركة) انتهت تغريداته .

أقول : وهذا كله من الباطل ومن البدع المحدثة والضلالات التي ما أنزل الله تعالى بها من سلطان والروايات التي ذكرها لا تصح وقد انتقدها المحققون من أهل العلم، وكان الواجب على الدكتور عبدالغفار التحقق من صحتها قبل نشرها، وكونها مذكورة في كتب التاريخ فلا يعني ذلك أنها ثابتة وصحيحة أبداً، فكتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ليس كصحيح البخاري ولا مسلم حتى يسلم بكل ما فيه من الروايات، بل هو كتاب تاريخ فيه من الروايات الغث والسمين والصحيح والسقيم والحق والباطل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (المنقول في ذلك إما أن يكون كذبا على صاحبه مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي أنه قال : "إني إذا نزلت بي شدة أجيء فأدعو عند قبر أبي حنيفة فأجاب" أو كلاماً هذا معناه.
وهذا كذلك معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل: فإن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفا. وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين، من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يَتَوَخَّ الدعاء إلا عنده. ثم إن أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد وطبقتهم، لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند أبي حنيفة ولا غيره. ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها. وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه) انتهى باختصار. من كتاب اقتضاء الصراط المستقيم " (2/692)

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: " والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر " انتهى. " إغاثة اللهفان " (1/246)

وقال العلامة المعلمي رحمه الله: بعد نقده لسند الرواية المنقولة عن الشافعي: (هذا حال السند، ولا يخفى على ذي معرفة أنه لا يثبت بمثله شيء، ويؤكد ذلك حال القصة، فإن زيارته قبر أبي حنيفة كل يوم بعيد في العادة، وتحريه قصده للدعاء عنده بعيد أيضاً، إنما يعرف تحري القبور لسؤال الحوائج عندها بعد عصر الشافعي بمدة، فأما تحري الصلاة عنده فأبعد وأبعد) انتهى من كتاب " التنكيل " (1/60)

أقول : لقد أكمل الله تعالى لعباده الدين فما توفي النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنزل الله تعالى عليه : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً) (3) سورة المائدة، فلو كان الذهاب إلى قبور الصالحين وشد الرحال إليها وتقصد الدعاء عندها وكما قال الدكتور عبدالغفار هي (من الأماكن التي يرجى فيها استجابة الدعاء) لو كان كذلك لبينه الله تعالى في كتابه، فقد أمر عباده بالدعاء ووعدهم بالإجابة لهم فقال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (60) سورة غافر، ولم يأمرنا بالذهاب إلى قبور الصالحين ولم يشرع لنا ذلك ولا أذن به لأحد ولا رضيه لعباده بل قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (186) سورة البقرة، وقال تعالى : (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (55) سورة الاعراف. وقد قص الله تعالى علينا بعض قصص الأنبياء والرسل في كتابه وهي أحسن القصص وما ذكر لنا أنهم كانوا يدعون الله تعالى عند القبور فقد دعا نوح عليه السلام ربه وابراهيم وموسى وعيسى وزكريا وأيوب وغيرهم عليهم السلام جميعاً ولم يؤثر عن أحد منهم أنه قصد قبراً وذهب يدعو الله تعالى عنده ‼️

والنبي - صلى الله عليه وسلم - دعا ربه وأدعيته معلومة ومحفوظة ومنشورة ولم يؤثر عنه في حياته قط أنه شد الرحال لقبر يدعو الله تعالى عنده ولا أمر بذلك ولا أرشد إليه ولا أقر أحداً عليه. ثم الصحابة رضي الله عنهم من كبيرهم إلى صغيرهم لم يؤثر عن أحد منهم قط دعا ربه عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما فلقد كانوا أولى بفعل ذلك لو كان مشروعاً، قال تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗأَإِلٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) (62) سورة النمل. فالله تعالى يجيب دعاء المضطرين من غير حاجة ليذهبوا عند قبر أحد حتى لو كانوا في البحر وغشيهم موج كالظلل ولو كانوا مشركين فإذا دعوا الله تعالى استجاب الله دعاءهم وأنجاهم إن شاء جل وعلا، قال تعالى : (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ) (64) سورة الأنعام.

وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (482) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (أَقْرَبُ ما يَكونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ، وهو ساجِدٌ، فأكْثِرُوا الدُّعاء) فإذا كان العبد أقرب ما يكون إلى ربه وهو ساجد فلماذا يشد الرحال ويتحمل عناء السفر إلى قبر من القبور ؟ فيا أيها الصوفية أفلا تعقلون؟

وروى البخاري في صحيحه (7494) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فيَقولُ: مَن يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ له، مَن يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ له)

لكن كما هو معلوم ومعروف أن بعض الناس لا يؤمن أصلاً أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا ويقول لعباده "من يدعوني فأستجيب له" ولو رواه البخاري ومسلم، بينما يؤمن بروايات أسانيدها هالكة تالفة تؤيد عقيدته ويذكرها بصيغة التمريض فيقول: (ويقال) ‼️

فالحمد لله لا نحتاج للقبور ولا الدعاء عندها فربنا قريب مجيب..

أسأل الله تعالى أن يمنَّ علينا بنعمة التوحيد ويثبتنا عليه ويرزقنا متابعة النبي صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً ويجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ويكف عنّا شر كل ذي شر.

ملاحظة: عامة الذين يجيزون الدعاء عند القبور تجدهم لا يمنعون من دعاء الأموات من دون الله تعالى ولا يعتبرون ذلك شركاً بالله بل يقولون هذا جائز ويسمونه توسلاً تحسيناً له فاحذروهم فإنهم شرار الخلق.

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.