الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

أما بعد:

ففي الأسابيع الأخيرة بدأت تنتشر بعض خطب الدكتور طارق الطواري -وفقه الله لهداه-، وذكرتني خطبه بخطب السبعينات للشيخ كشك والشيخ طايس الجميلي والشيخ أحمد القطان وأمثالهم الذين غيروا المقصود من خطبة الجمعة من الذكر والوعظ إلى التحليلات السياسية والمظلوميات والطعن في الحكام وسياساتهم وتصدير قضية فلسطين على كل المسائل بل حتى أهم من التوحيد والعقيدة والسنة والصلاة والزكاة وغير ذلك والإكثار من ذكر الصهاينة وجرائمهم وخياناتهم، ومصطلحات قد أكل عليها والدهر وشرب مثل مصطلح (الخلافة) (والخليفة العام) (وسلطان المسلمين) (وسقوط الخلافة) (والطواغيت) (والقوانين الوضعية) (والخيانات) (وخونة العرب) (وصهاينة العرب) وغير ذلك، مما اختفى كثيراً ولله الحمد، لا سيما بعد ما انتشر الوعي عند العامة والخاصة من المشايخ وطلبة العلم والدعاة لتواصلهم مع العلماء والإنصات إلى توجيهاتهم ونصائحهم. والإستفادة من علمهم وخبرتهم . إن خطبة الجمعة إنما شرعت لذكر اللّه تعالى كما في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}.

فأمرنا الله تعالى بترك البيع الذي هو أحد مصادر الرزق والمعيشة، وذلك لأمر أعظم وأكبر ألا وهو ذكر الله تعالى الذي هو خير لنا من الدنيا وما فيها.

وكذلك ندبنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- للاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب والتبكير؛ لسماع ما ينفعنا من الذكر والتذكير والموعظة الحسنة والتفقه في الدين، والتنبيه على المعروف الذي قصّر الناس في أدائه، والنهي عن المنكر الذي تساهل الناس في اقترافه، وتعلّم الأخلاق والآداب، والإكثار من الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وغير ذلك من المقاصد الشرعية من خطبة الجمعة، وتليها صلاة الجمعة التي هي أفضل الصلوات.

أما أن يتحول المنبر إلى منصة إخبارية وطعونات وتحريضات وتسفيه للحكام والدول وسياساتها؛ فهذا لو كان حقاً -أقول لو كان حقاً- فليس مجاله خطبة الجمعة، بل هذا منافٍ تماماً للمقصود الشرعي لخطبة الجمعة.

كما أن في ذلك مخالفة لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في خُطَبِه، وقد نقل المحدّثون بعض خطب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلم تكن على هذا المنهج المحدث، وقرر الفقهاء -رحمهم الله- أركان الخطبة وآدابها ولم تكن كذلك على هذا المنهج المحدث.

فالخطبة لها شأن عظيم حتى يحرم الكلام بين المصلين أثناء الخطبة، ولا يجوز العبث في الأرض ولا التفريق بين المصلين بتخطي رقابهم، بل أُمروا بالإنصات الكامل للخطيب.

نعم منبر الجمعة ليس استيديو لتحليل للأخبار ولا مجلس مسامرة، والخطيب الموفق عنده آلاف المسائل والبحوث الشرعية التي يحتاجها الناس، فيستطيع يخطب فيها وينفع المسلمين، وإذا كان عاجزاً أو كسولاً فبإمكانه أن يستعين بخطبة وزارة الأوقاف المكتوبة أو غيرها من الخطب المنبرية المطبوعة.

كما ينبغي للخطيب أن يلتزم اللغة العربية الفصحى لغة القرآن قدر استطاعته، وإذا كان لا يحسن ذلك فليتعلم، أما الخطبة باللهجة العامية الدارجة لغة المجالس والديوانيات فهذه لا تصلح للخطابة، بل لا يلجأ إليها إلا العاجز الكسول، الذي لا يريد أن يتعلم ولا أن يحّضر للخطبة وقد ذكر بعض العلماء أن اللهجة العامية تجعل الناس مع الزمن يستثقلون لغة القرآن، بل ربما يستنكرونها ويستقبحونها ويستحسنون اللهجة العامية الدارجة وذلك بسبب سلوك خطبائهم، لذا ينبغي على لجنة الخطباء عدم إجازة من لا يجيد الخطابة باللغة العربية الفصحى، حتى يتعلم

وينبغي على الخطيب التمسّك بميثاق المساجد، ومن لم يمتثل بنود الميثاق فينبغي أن يحاسب.

كما ينبغي للخطيب الاختصار ومراعاة الوقت بحيث لا يطيل خطبته فيشق على الناس، وفي الحديث عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- يقولُ: إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِن فِقْهِهِ، فأطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الخُطْبَةَ، وإنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا)رواه مسلم في صحيحه (869).

ومعنى (مَئِنَّةٌ من فقهه) : أي علامة على فقه الخطيب، ويفهم منه أن الذي يطيل الخطبة قليل الفقه، فتسمع أحدهم يطيل الخطبة ويكرر كلمة (وبإختصارلضيق الوقت أقول كذا وكذا)، هذا وقد اختصر فكيف ولو لم يختصر ؟

ثم تجده قليل الاستدلال بالآيات والأحاديث بينما يكثر من الكلام في السياسة، والله تعالى يقول {فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد}، ومن غفلة بعض الخطباء وقلة فقهه أنه يوجّه خطابه للمصلين وهم لا يملكون قراراً سياسياً ولا يمكنهم تحريك ساكن ولا تسكين متحرك ، فيخرج أحدهم ولم يستفد كلمة واحدة من تلك الخطبة السياسية. والله المستعان

والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.