لما زادوا زدنا و لو سكتوا لسكتنا


1430-11-28 | 2009-11-16


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، اما بعد:

فإن الله تعالى أكمل الدين وأتم على عباده النعمة ورضي لهم الإسلام ديناً، ولما توفي رسول الله صلى الله خلّف تركة وورثة، أما التركة فهي (العلم) وأما الورثة فهم (العلماء)، كما في حديث أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ".... وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يوّرثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر" [رواه أبو داود (3641) والترمذي (2682)، وابن ماجه (223)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2697)].

ولقد بذل العلماء جهوداً جبارة وما زالوا في تصنيف العلم وترتيبه فهذا يفسر القرآن وذلك يصنف الحديث وآخر يشرح وذاك يبوّب الأبواب، ومنهم من ينظم العلم نظماً ومنهم من يختصره ومنهم من يعلق، ومنهم من يحقق ومنهم من يصحح ويضعف، ومنهم من يفهرس ومنهم ومنهم، وكل في بابه وفنه مجد ومجتهد فجزاهم الله عنا خير الجزاء.

ثم أعلم أخي القارئ أن أعظم العلماء جهاداً وفضلاً الذين يردون على أهل البدع والأهواء وأهل الزيغ والإلحاد فيدافعون عن الإسلام ويذبون عن السنة وينصرون العقيدة ويدفعون الضلال، فتراهم في كل ميدان يتربصون لكل عابث وضال.

وهكذا نصروا الحق والهدى وإليك بعض الأمثلة التي يظهر لك فيها جلياً كيف تصدوا لكل من سوّلت له نفسه أن يعبث في الدين.

المثال الأول

زعم أصحاب وحدة الوجود والحلولية الذين هم أشد الناس ضلالة أن الله تعالى في كل مكان، أما أصحاب وحدة الوجود فقالوا إن الموجود على الحقيقة هو الله عز وجل، وما نراه بين المخلوقات ما هي إلا صور متعددة لحقيقة واحدة وهي ذات الله تعالى، حتى قالوا: العبد رب والرب عبد، وقال بعض الطواغيت "سبحانك سبحاني ما أعظم شاني"، ويقول بعضهم: "أنا الله أنا الله"، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقالوا عن الله تعالى أقوالاً باطلة كثيرة.

وأما الحلولية فما بعدوا عن أصحاب وحدة الوجود فقد زعموا أن الله تعالى قد حلَّ بذاته في ذوات بعض المخلوقين من الأولياء والصالحين وزعموا أن عبادة الولي هي عبادة لله تعالى لأن الله تعالى حالٌ في الولي، وهذا الحلول (الخاص) ومنهم من زعم بأن الله تعالى حالٌ في ذات جميع المخلوقين حتى في الحيوانات، وهذا الحلول (العام) تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

أقول فتصدى العلماء لهؤلاء الملاحدة الزنادقة فقالوا: بل الله تعالى مستو على عرشه بائن من خلقه، فاعترض عليهم أهل البدع فقالوا: من أين لكم "بائن من خلقه"، فإن الله تعالى قال: (عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)) [طه]، ولم يقل: "بائن من خلقه"؟ فقال علماء السنة لما قال المبتدعة إن الله تعالى حال في خلقه أو ممتزج فيهم:ردوا عليهم فقالوا بل الله "بائن من خلقه"، فقابلوا باطلهم بالحق وهكذا فلما زادوا زدنا ولو سكتوا لسكتنا.

المثال الثاني

لله تعالى وجه حقيقي كما قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)} [الرحمن]. ولله تعالى يدان حقيقيتان كما في قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة. فقال أهل البدع لماذا تقولون "وجه حقيقي" و "يدان حقيقيتان"، ولم يقل الله تعالى ذلك ولا رسوله بل ولا الصحابة؟ قال أهل السنة لما ظهر من يزعم بأن ليس لله وجه ولا يدان وإن ذلك على المجاز لا على الحقيقة اضطر أهل السنة للرد على هؤلاء فقالوا بل لله وجه حقيقي لا مجازي وله يدان حقيقيتان لا مجازيتان فلما زادوا زدنا ولو سكتوا لسكتنا.

المثال الثالث

قال أهل السنة: إن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا "بذاته" فقال أهل البدع لأهل السنة من أين لكم ان الله تعالى ينزل "بذاته" فليس في الحديث ينزل بذاته بل جاء الحديث "ينزل الله" و "ينزل ربنا" ولم يقل بذاته؟ فقال أهل السنة: لما حرف أهل البدعة كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا: "ينزل الله" أي ينزل أمره أو ينزل ملك من ملائكته أو تنزل رحمته، قال أهل السنة بل ينزل الله تعالى "بذاته" فزادوا "بذاته" للرد على الذين قالوا بأن الذي ينزل غير الله تعالى فلما زادوا زدنا ولو سكتوا لسكتنا.

المثال الرابع

قال أهل السنة: لله تعالى صفات يتصف بها على "الوجه اللائق به" فقال أهل البدع: من أين لكم كلمة "على الوجه اللائق به" فليس في الكتاب والسنة هذه الكلمة؟ قال أهل السنة لما ظهر من ينفي صفات الله تعالى بحجة أن إثباتها يلزم منه التمثيل ردّ عليهم أهل السنة فقالوا: بل الله تعالى يتصف بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم على "الوجه اللائق به" من غير تمثيل، فلما زادوا زدنا ولو سكتوا لسكتنا.

المثال الخامس

قال أهل السنة والجماعة: إن الله تعالى يجيء يوم القيامة مجيئاً حقيقياً بذاته قالوا ذلك في الرد على من قال يجيء مجازاً أي يأتي أمره. وهكذا زادوا فزدنا ولو سكتوا لسكتنا.

المثال السادس

قال أهل السنة: القرآن كلام الله تعالى ليس بمخلوق كما قال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6].

قال أهل البدع لم يقل الله تعالى عن كلامه ليس بمخلوق فمن أين لكم ذلك؟ قال أهل السنة لم نكن فيما مضى نقول القرآن كلام الله ليس بمخلوق وعلى هذا كان السلف في الصدر الأول من الإسلام فلما ظهر من يقول القرآن كلام الله مخلوق لم يقف أهل السنة مكتوفي الأيدي بل قالوا: القرآن كلام الله غير مخلوق، فلما زادوا زدنا ولو سكتوا لسكتنا.

المثال السابع

قال أهل السنة إن "الكفر" كفران أصغر وأكبر فليس كل ما سماه الشارع كفراً ينقل عن الملة، بل هناك من الكفر ما لا يخرج صاحبه من الإسلام وإن وقع فيه أو صدر منه وهو الكفر الأصغر وأطلقوا عليه لقب "كفر دون كفر" ومثله "فسق دون فسق" و "ظلم دون ظلم" فقال أهل البدعة ليس في نصوص الكتاب والسنة هذا الذي تزعمون فمن أين لكم هذا؟ قال أهل السنة بل هو في الكتاب والسنة ولكنكم لا تتدبرون فلقد أطلق الشارع على بعض الأعمال والأقوال لقب الكفر ولا يريد بذلك الكفر المخرج من الإسلام لذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: "ليس الكفر الذي تذهبون إليه إنما هو كفر دون كفر" وعليه سار المفسرون من السلف وقال به المحققون من أهل العلم ولولا فهم أهل البدع لنصوص الكتاب والسنة على غير مراد الله ورسوله لما احتجنا أن نقول "كفر دون كفر" فلما زادوا زدنا ولو سكتوا لسكتنا.

المثال الثامن

قال أهل السنة والجماعة قد ينفي الشارع الإيمان ولا يريد بذلك نفي حقيقته أو أصله أو نفيه نفياً مطلقاً بل قد ينفي الشارع الإيمان ويريد نفي كماله كما في حديث "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" [رواه مسلم (104)] عن أبي هريرة رضي الله عنه وإنما يريد بذلك نفي كمال الإيمان الواجب أي ليس عنده الإيمان الكامل المطلق الذي يمنعه من الزنا حينما يزني.

فقال أهل البدع لماذا زدتم على الحديث "نفي الكمال"،؟ قال أهل السنة هذا أسلوب من أساليب العرب الذي يتكلمون به. فلما زادوا زدنا ولو سكتوا لسكتنا.

أخي القارئ لا شك هناك أمثلة أخرى غير ما ذكرت لك وإنما قصدت بيان الرد على الذين قد يحتجون على أهل السنة زاعمين أنهم يضيفون للكتاب والسنة ما ليس فيه فأقول إنما زادوا لبيان الحق لما زعم أهل الباطل ما زعموا فلما زادوا زدنا ولو سكتوا لسكتنا.

والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.